ابن أبي العز الحنفي
133
شرح العقيدة الطحاوية
تخصه ، هذا هو المعقول في الفطر ، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد . السادس : أن كل ما صح أن تتعلق به ارادته جاز فعله ، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء ، وأن يري عباده نفسه ، وأن يتجلى لهم كيف شاء ، ويخاطبهم ، ويضحك إليهم ، وغير ذلك مما يريد سبحانه - لم يمتنع عليه فعله ، فإنه تعالى فعّال لما يريد . وانما يتوقف صحة ذلك على اخبار الصادق به ، فإذا أخبر وجب التصديق ، وكذلك محو ما يشاء ، واثبات ما يشاء ، كل يوم هو في شأن ، سبحانه وتعالى . والقول بأن الحوادث لها أول ، يلزم منه التعطيل قبل ذلك ، وأن اللّه سبحانه وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا . ولا يلزم من ذلك قدم العالم ، لان كل ما سوى اللّه تعالى محدث ممكن الوجود ، موجود بايجاد اللّه تعالى له ، ليس له من نفسه الا العدم ، والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى اللّه تعالى ، واللّه تعالى واجب الوجود لذاته ، غني لذاته ، والغنى وصف ذاتي لازم له سبحانه وتعالى . والناس قولان في هذا العالم : هل هو مخلوق من مادة أم لا ؟ واختلفوا في أول هذا العالم ما هو ؟ وقد قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ هود : 7 . وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه ، قال : « قال أهل اليمن لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : جئناك لنتفقه في الدين ، ولنسألك عن [ أول ] هذا الامر ، فقال : كان اللّه ولم يكن شيء قبله » « 79 » وفي رواية : « ولم يكن شيء معه » ،
--> ( 79 ) صحيح . ورواية « معه » لم أجدها عند البخاري ، وقد أخرج الحديث في موضعين من « صحيحه » : « بدء الخلق » و « التوحيد » بالروايتين الأخيرتين : « قبله » و « غيره » ، وبالأخرى منهما أخرجه البيهقي في « الأسماء والصفات » ( 6 و 270 ) ، ورواه أحمد ( 4 / 431 ) بالرواية الأولى منهما ، لكن بلفظ « كان اللّه تبارك وتعالى قبل كل شيء » ، وعزاه الذهبي في « مختصر العلو » ( 98 / 40 ) للبخاري وقال « حديث صحيح » ! انظر المقدمة ( ص 27 ) . وكلام الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث يشعر بأن هذه الرواية « معه » لم يقف عليها ، فقد قال ( 6 / 206 ) : « تنبيه » : وقع في بعض الكتب في هذا الحديث : « كان اللّه ولا شيء معه ، وهو -